محمد رأفت سعيد

259

تاريخ نزول القرآن الكريم

الضالة وتهديدهم ووعيدهم حتى يتمكن من تدبر حاله وخشي العاقبة من تدارك أمره والإذعان لما جاء في القرآن ذي الذكر ، فمن هذه الأسباب : الكبر والاستعلاء في الأرض بغير الحق والذي يحول بين الإنسان وبين الاستجابة للحق والانقياد له . فالذين كفروا في عزة وشقاق . ومن هذه الأسباب : فساد تصور الكافرين عن الألوهية ، وركونهم إلى تعدد الآلهة فكان تعجبهم من عقيدة التوحيد التي جاء بها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وكان قولهم الذي ذكرته السورة الكريمة : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ( 5 ) . ومن هذه الأسباب : فساد تصور الكافرين للنبوة فكان عجبهم أن يأتيهم منذر منهم ، وكان قولهم الذي ذكرته هذه السورة الكريمة : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا . فقد ربطوا النبوة في أذهانهم بالمقاييس الجاهلية التي تقدر الإنسان بما لديه من مال وبما ينتمى إليه من عصبية ، فالنبي في نظرهم لا يخرج عن هذه المقاييس ، وهذا جاء على لسان الوليد بن المغيرة حيث قال : أينزل على محمد وأترك ؟ وأنا كبير قريش وسيدها ، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين « 1 » . كما أنهم لم يتصوروا أن يكون الرسول رجلا بل ينبغي أن يكون ملكا . وهذا المعنى قد حكاه القرآن الكريم بعد ذلك فوجدناه في مثل قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام ] وفي قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ( 95 ) [ الإسراء ] . وفي بيان أسباب إعراض الكافرين وعنادهم نذكر من هذه الأسباب ما يقوم به السادة والكبراء من إضلال العامة وتوصيتهم بالاستمساك والصبر على باطلهم : وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ( 6 ) . واعتبار السادة أن هذا شئ يراد يشعر بسبب له تأثيره في الاستمساك بالكفر وهو نظرهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم على أنه يريد العلو عليهم وليصيروا أتباعا له ، وهذا المعنى جاء على ألسنة كثير منهم من هذا ما قاله أبو سفيان في فتح مكة عندما وقف بمضيق الوادي لتمرّ به جنود الله ، ومعه العباس عم النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبعد أن رأى جند الله قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ، ثم

--> ( 1 ) الإسلام في مواجهة التحديات د . محمد رأفت سعيد ص 120 .